122

نظرية التكامل الحسي

122

ظهرت نظرية التكامل الحسي على يد المعالجة الوظيفية د. جين ايرس عام 1972 , حيث أوضحت من خلال دراستها وتجاربها أن التكامل الحسي عند الإنسان يمثل غذاء الدماغ مثلما يمثل الطعام غذاء العضلات, وقد عرفته بأنه : عمليات عصبية تقوم  بتنظيم الأحاسيس المختلفة القادمة من الجسم من خلال الحواس المختلفة والبيئة المحيطة , ومن ثم الإستجابة الملائمة لهذه الإحساسات والتي تكون على شكل حركي وسلوكي, وقد بينت أن التكامل الحسي عند الإنسان هو ربط ما بين الدماغ والسلوكات التي يقوم بها الإنسان, فمثلا عندما يقوم أحدهم بدفعنا للأمام فإن الجسد تلقائيا يعدل من وضعيته تفاديا للسقوط للخلف, وعندما نتناول كأسا لنشرب منه فإننا نقدر مقدار القوة التي نحتاجها للإمساك بذلك الكأس تبعا لنوعه زجاجا كان أو بلاستيكا ونشرب من ذلك الكأس دون أن نوقع شيئا مما فيه, وعندما نرى خطرا محدقا بنا فإننا نحاول الهرب منه بأقصى طاقة لدينا,إن كل ردود الأفعال والإستجابات هذه ناتجة عن تكاملنا الحسي الذي أرسل إشارات لدماغنا ليقوم بدوره بإرسال الحركة والسلوك المناسبين لكل حالة اعتمادا على ما أرسل إليه من حواسنا المختلفة. وتبعا لما سبق فإننا نرى  الأهمية العظمى للتكامل الحسي لدينا , ويمكننا تخيل الوضع الذي يكون فيه الشخص المصاب بواحدة أو أكثر من مشاكل التكامل الحسي وكيف ستكون تصرفاته وسلوكياته.

ومن المعلوم للجميع أن الإنسان يستقبل الإحساسات المختلفة من الحواس الخمسة المعروفة وهي : حاسة السمع, والبصر, والشم, والتذوق, واللمس, إضافة إلى حاستين قد لا يعرفهما الكثير وهما ال “ vestibular sense”  : وهي الحاسة المسؤولة عن توازن أجسامنا, وعن سرعة واتجاه حركتنا, وعن إعطائنا المعلومات حول وضع أجسامنا في الفراغ  إذا كنا على الأرض أم لا , و”proprioception sense” : وهي الحاسة التي تزودنا بمعلومات حول موضع عضلاتنا ومفاصلنا في الفراغ الذي نتحرك فيه, كأن نعرف مثلا أن يدنا مرتفعة في الهواء أو ممدودة الى جانبنا دون رؤيتها, أو أن نعرف أن قدمينا تتحركان دون النظر اليهما للتأكد من ذلك .

وعندما يستقبل الدماغ الإحساسات المختلفة من هذه الحواس السبعة فإنه يقوم بتحليلها وإرسال ردة الفعل والإستجابة الملائمة لتلك الإحساسات كما أسلفنا, ولإيضاح ذلك أكثر لنأخذ مثالا :  نلاحظ أنه وفي حال جلوسنا أمام نافذة مفتوحة لقراءة كتاب ما , فإننا نقوم بتقدير أننا بحاجة إلى القيام من مكاننا وإغلاق النافذة والذهاب لارتداء سترة بعد تقديرنا أن الجو أصبح باردا, ونقدر أيضا أننا بحاجة لإشعال النور لاستكمال قراءة الكتاب الذي لم نعد نرى ما هو مكتوب فيه بعد تقديرنا أن الإضاءة أصبحت خافتة والرؤية محجوبة, إن جميع ردود الأفعال هذه والإستجابات للمتغيرات المختلفة قائمة على عمل التكامل الحسي بعد تحليل دماغنا للإحساسات المختلفة التي أرسلتها حواسنا السبعة.

وعليه فلنتخيل مقدار الصعوبة التي يواجهها المرضى الذين يعانون مشاكل في التكامل الحسي والمعاناة التي قد لا يفهمها كثير من الناس, ولنتخيل تحديدا  أطفال التوحد التي وجدت الدراسات بأنهم الفئة الأكثر معاناة لمشاكل التكامل الحسي, فمثلا كثير ممن هم حول الأطفال المرضى وخصوصا أهلهم يجهلون سبب قيام أطفالهم ببعض السلوكيات التي تضايقهم جدا لذلك يلجأون لأساليب خاطئة في التعامل معهم, ومثال ذلك أنهم يتذمرون جدا من وضع طفلهم الدائم لإصبعه أو يده في فمه, أو الترديد الدائم للكلام مع وضع اليدين على الأذنين, أو نشاطه الزائد جدا أو الخامل جدا, أو القيام بشم أي شي يمسكه, أو القيام بوضع أي شيئ في فمه وعضه, أو الإهتزاز الدائم, إلخ … دون علمهم أن جميع هذه السلوكيات وغيرها الكثير الكثير إنما هي محاولة من قبل طفلهم لاجتذاب بعض الأحاسيس الغير متوفرة له أصلا, لذلك فهو يقوم بها مرغما ليشعر بنفسه ووجوده.

أما فيما يتعلق بأعراض مشاكل التكامل الحسي فإنها متعددة وكثيرة , منها: الوضع الدائم لأصابع اليدين في الأذنين مع إصدار بعض الأصوات, النشاط الزائد أو الخمول الزائد, مشاكل في التوازن والتناسق الحركي, تناول بعض المأكولات دون غيرها ورفض تناول مذاقات جديدة, مص اليد والأصابع بشكل دائم, ايذاء النفس كضرب الرأس بالأرض, الخوف من المرتفعات أو حب الصعود إليها, رفض ارتداء بعض أنواع الألبسة والتضايق الشديد منها, مشاكل في المهارات الحركية الدقيقة كالكتابة والتلوين والقص وتزرير الأزرار الخاصة بالملابس, الخوف من الأرجوحة والرفض التام للركوب عليها, الدوران لفترات طويلة دون التوقف أو الشعور بالتعب, ضرب القدمين بالكرسي أو الأرض في حال الجلوس على الكرسي, اللعب بالألعاب بعنف شديد, الخوف من الأصوات المزعجة كصوت المكنسة الكهربائية,  الخ ….

وإذا أردنا الحديث عن علاج التكامل الحسي فإنه وفي حقيقة الأمر لا يوجد علاج  تام بعد ولكن هناك العديد من الطرق المستخدمة والمجربة والتي أثبتت الدراسات فاعليتها, ومثال ذلك:  المشي على الرمال, العلاج باللعب بالماء, التحدرج والنطنطة على الكرة العلاجية الكبيرة, اللعب بالأرجوحة, القيام بنشاطات مجهدة وحمل أشياء ثقيلة, التعرض لروائح مختلفة, القيام بتمارين رياضية هوائية, الضغط على مفاصل الكوعين والركبتين.

ولكن مع كل ما سبق علينا أن نعلم أنه ليس هناك بعد تشخيص معتمد للتكامل الحسي, أي أن الطبيب لا يمكنه كتابة أن الطفل لديه مشاكل حسي كتشخيص طبي, لأن العمل ما زال مستمرا على هذه النظرية, ولأن السبب الرئيس وراءه ما زال مجهولا, فبعض الدراسات تخبرنا أن الأسباب قد تكون وراثية جينية, وأخرى تقول أن الأسباب بيئية والبعض يقول أنها وراثية بيئية, وغيرها العديد من الأسباب.

ونهاية لا يمكننا القول أنه يمكننا التخلص من مشاكل التكامل الحسي أو علاج التوحد من خلاله بشكل كامل, ولكننا بالتأكيد نستطيع القيام بتحسينها وتقدمها نحو الأفضل إن عمل جميع من هم حول المريض يدا واحدة وباستمرار دون كلل أو ملل, من الأهل والتريبة الخاصة والعلاج الطبيعي والعلاج الوظيفي وسنصل إن شاء الله إلى ذلك اليوم الذي نجد فيه أطفالنا أفضل صحة وحالا مع تقدم العلم واستمرار الدراسات والأبحاث والتجارب.

“منقول”

Pin It